أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

45

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أقبح الذي يزورونه أو شيئا يزرونه ، أو وزرهم . الثالث : أنها بمعنى « بئس » فتكون للمبالغة في الذم ، فتعطى أحكامها أيضا ، ويجري الخلاف في « ما » الواقعة بعدها حسب ما ذكر في قوله : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا « 1 » ، وقف ظهر الفرق بين هذه الأوجه الثلاثة ، فإنّها في الأول متعدية متصرفة ، والكلام معها خبر محض ، وفي الأخيرين قاصرة جامدة إنشائية . والفرق بين الوجهين الأخيرين أن التعجبية لا يشترط في فاعلها ما يشترط في فاعل « بئس » وقال الشيخ « 2 » : والفرق بين هذا الوجه - يعني : كونها بمعنى « بئس » - والموجه الذي قبله - يعني : كونها تعجبية - أنه لا يشترط فيه ما يشترط في فاعل « بئس » من الأحكام ، ولا هو جملة منعقدة من مبتدأ وخبر ، إنما هو منعقد من فعل وفاعل » انتهى . وظاهره لا يظهر إلا بتأويل ، وهو أن الذم لا بدّ فيه من مخصوص بالذم ، وهو مبتدأ ، والجملة الفعلية قبله خبره ، فانعقد من هذه الجملة مبتدأ وخبر ، إلّا أن القائل أن يقول : إنما يتأتى هذا على أحد الأعاريب في المخصوص « 3 » . وعلى تقدير التسليم فلا مدخل للمخصوص بالذم في جملة الذم ، بالنسبة إلى كونها فعلية ، فحينئذ لا يظهر فرق بينها وبين التعجبية في أن كلا منهما منعقدة من فعل وفاعل . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 32 إلى 33 ] وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 32 ) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 33 ) قوله : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ . يجوز أن يكون من المبالغة جعل الحياة نفس اللعب واللهو ، كقولها « 4 » : 1910 - . . . * فإنّما هي إقبال وإدبار وهذا أحسن . ويجوز أن يكون في الكلام حذف ، أي : وما أعمال الحياة . وقال الحسن البصري : وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ، فقدّر شيئين محذوفين . و « اللهو » : صرف النفس عن الجدّ إلى الهزل ، ومنه الفعل : لها يلهو ، وأما لهي عن كذا ، فمعناه صرف نفسه ، والمادة واحدة ، انقلبت الواو ياء ، لانكسار ما قبلها ، نحو : شقي ، ورضي . وقال المهدوي : الذي معناه الصرف لامه ياء ، بدليل قولهم : لهيان ، ولام الأول واو . قال الشيخ « 5 » : وليس بشيء ، لأن الواو في التثنية انقلبت ياء ، فليس أصلها الياء ، ألا ترى إلى تثنية شج : شجيان ، وهو من الشجو . انتهى يعني أنهم يقولون في اسم فاعله : له ، كشج ، والتثنية مبنية على المفرد ، وقد انقلبت في المفرد ، فلتنقلب في المثنى ، ولنا فيه بحث حسن أودعناه التفسير الكبير ، واللّه الحمد . وبهذا يظهر فساد رد المهدوي على الرمانيّ ، فإنّ الرمانيّ قال : اللعب عمل يشغل النفس عما تنتفع به ، واللهو صرف النفس عن الجدّ إلى الهزل ، يقال : لهيت عنه ، أي : صرفت نفسي عنه » . قال المهدوي : « وفيه ضعف وبعد . لأن الذي فيه معنى

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 90 ) . ( 2 ) انظر البحر 4 / 108 . ( 3 ) ويجوز فيه أن يكون خبر مبتدأ محذوف وجوبا ، أو مبتدأ خبره محذوف وجوبا . انظر التصريح ( 1 / 97 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) انظر البحر ( 4 / 108 ) .